الاثنين، يونيو 15، 2026

فخ الزعامة

 



عادة عندما أنتهي من كتابة شئ أجد صعوبة في إيجاد عنوان مناسب على عكس كثير ممن يكتبون، يكون العنوان هو الأسهل والكتابة بعد ذلك هي الأصعب!

بعد مشاهدة مسرحية بودي جارد تصارعت العناوين والمنشيتات الساخنة في رأسي: "عندما تتحول الزعامة الى فخ" ، "سمك لبن تمر هندي" ، "بعد إنتظارها أكثر من عشرين عامًا!

لم أستطع الإحتفاظ بنسخة المسرحية مع زميلاتها، الواد سيد الشغال – الزعيم – شاهد مشفش حاجه، وأغلب مسرحيات عادل إمام، قمت بحذفها فور مشاهدتها، لم أحتمل فكرة انه ربما قد أشاهد تلك الثرثرة مرة أخرى يوما ما.

بكل أسف العمل سئ جدًا وخيب كل توقعاتي، ليس ذلك بسبب مستوى الكوميديا المتدني بالعمل فحسب، فمن الممكن جدًا أن يتدنى مستوى الكوميديا أو أن تكون كوميديا مبهجة داخليًا ولا تصل إلى مستوى الضحك "بالكركعة"، ولكن حتى هذا الابتهاج الداخلي لم يحدث ولو لثوان وأنا أشاهد "بودي جارد" من الدقيقة الأولى حتى النهاية، كنت أحاول أن أبحث عن أي شئ في العمل يدعوني لقبوله، كوميديا سخيفة وغير مبتكرة، قل مبتذلة إن شئت.

 

يوسف معاطي مؤلف العمل، لم يقدم أي جديد أو حتى شئ بمستوى الأعمال القديمة لعادل إمام والمقارنة هنا واجبه حيث إنه يقدم نفس الشخصية، الهلفوت "أدهم الجبالي"، الذي يجد نفسه وسط أثرياء القوم، رجل الأعمال "سعد الدين فارس"، وزوجته "عيشه" في بودي جارد، وهي نفس الفكرة في الواد سيد الشغال، "سيد" الذي يجد نفسه وسط أثرياء القوم، النائب "عاصم الدرملي" والدبلوماسي "شريف" زوج بنته "هدى"، وأيضا "زينهم" كومبارس السيما الذي تضعه الظروف ليكون بديلاً مؤقتًا لرئيس الجمهورية في مسرحية الزعيم.

كلا العملين، الزعيم والواد سيد الشغال كانت الموضوعات محبوكة ومترابطة، فأنتجت كوميديا صارخة، مازلت أضحك عليها حتى الأن رغم مشاهدتها مئات المرات، بعكس بودي جارد الذي لعب على نفس الفكرة، ولكن كان الموضوع مفكك ومستهلك إلى أبعد الحدود، للدرجة التي جعلت عادل إمام يستعين بأكثر من إفيه من أعماله المسرحية السابقة، وبشكل فج، لإستمالة الجمهور للضحك.

 

حتى فرضية أن الكوميديا قديمة لذلك لن تستهوينا بعد مرورعشرون عامًا، سقطت بعدما فشلت في الوصول لمستوى الواد سيد الشغال والزعيم، رغم أنهما الأقدم!

"أدهم الجبالي" مسجون يحاول الهرب من السجن، وفي إحدى المرات يوصله الممر الذي حفره، إلى زنزانة أحد رجال الأعمال المعروفين وقت العرض الاول للمسرحية عام 1999، بنواب القروض والذين حاولوا الإستيلاء على أموال البنوك والهرب بها خارج مصر.

تبدأ القصة عندما يُعجب "سعد الدين فارس" بموهبة وخطورة "أدهم الجبالي"، ليعرض عليه أن يعمل كحارس شخصي لزوجتة، "عيشه"، التي يخشى عليها من زملائِه خارج السجن، كان من المفترض هنا أن تحدُث الطرائف التي تنتج من إحتكاك هلفوت وصعلوك، كـ"أدهم الجبالي" بعالم الترف والثراء، "عيشه"و"كاظم"... الخ، تمامًا كما حدث من قبل مع "زينهم" أو "سيد"، ولكن النص الذي كتبه "يوسف معاطي" لم يقدم أي جديد أو حتى إعادة إنتاج القديم بنكهة مختلفة، أو حتى بنفس النكهة، ثلاث ساعات من الرغي المزعج، والمواقف المفتعله والمبتذلة، رغم أن الأمر حدث من قبل في أخر أفلام عادل إمام مع معاطي " بوبوس " ولكني أكن أتوقع ذلك تمامًا وأنا أستعد – بتلهُف – لمشاهدة بودي جارد!

النص ضعيف جدًا، ولا توجد قصة تجعلك تغض الطرف عن سوء مستوى الكوميديا، وتنتظر نهاية الحدوتة ولو بقليل من الشغف!

وفي نهاية الأمر يهبط علينا "يوسف معاطي" بقصة فرعية لأولاد "سعد الدين فارس وعيشه" الذي قدمهم معاطي في صورة شباب "ضايع" وإنحرف لعبادة الشيطان ونكران وجود الله!، ليقوم "أدهم" بافاقتهم من تلك الغفلة – ولا نعلم كيف ! - وتكون الخاتمة أن يلتف الشباب من حول أدهم، بعدما ردهم للإيمان مرة آخرى بوجود الله سبحانه وتعالى ولو كان ثمن ذلك الإيمان، أن يترك "سعدالدين فارس وعيشه وأصدقائهم، يهربوا بالأموال خارج البلاد.

ليجعلك تتسائل "إيه اللى جاب القلعة جنب البحر؟!"

قد يبدو للبعض أن الكوميديا والمسرح وجهان لعملة واحدة، وهذا خطأ شائع، ربما لكثرة أعمالنا المسرحية الكوميدية، أو إرتباط دخولنا المسرح في الأغلب في فصل الصيف، حيث الأجازة الكبيرة والمصيف والترف، المهم أني أنتظرت حتى أجد نقطة تلتقي فيها كل خيوط هذة الحدوتة، ولكن بكل أسف لم تكن هناك حدوتة مُسلية، أو مُثيرة تنتظر نهايتها بكل شغف، أو كوميديا مُبهجة، لا تكركع منها، ولكنها على الأقل تجعلك لا تشعر بمرور تلك الساعات الثلاث.

ربما تحولت الزعامة الي نقمة أو فخ بعدما وافق الممثلون على تقديم ذلك العمل وربما الزعيم نفسه، ظناً منهم أن أسم الزعيم يكفي.

الست .. الحقيقة بين نقيضين


 

تنويه : هناك فارق بين تصنيف أفلام السيرة الذاتية وأفلام السيرة، ففيلم الست هو فيلم " سيرة " لأنه كُتب وقدمه شخص أخر بينما " السيرة الذاتية " كتبها وقدمها الشخص نفسه وخير مثال هو رباعية يوسف شاهين التي كانت تتناول سيرته الذاتية.

أهم ما كشفته تجربة فيلم "الست" أن رصيدنا من أفلام السيرة التي تستحق أن تُعطى هذا التصنيف قليل جدًا.

مفتاح الكلام عن تجربة " الست " هو الإجابة عن سؤال " كم عمل فني من الأعمال التي تناولت سيرة شخصية عامة تظهر فيه بعض نقائص هذه الشخصية ؟

(ليس الفن موضوع لذة جمالية فحسب وإنما وسيلة لمعرفة الحياة أيضًا) تشيرنيشفسكي

تربينا مُنذ أمد بعيد على أعمال يطلق عليها صانعوها " سيرة " وفي الحقيقة هي أعمال من نوع " أذكروا محاسن موتاكم "، حيث يتم تقديم تلك الشخصيات وكأنها شخصيات ملائكية لا تشوبها شائبه، لذلك نالت تجربة فيلم الست بعض الإنتقادات لأن صناع الفيلم قدموا حياة أم كلثوم بكل ما فيها من حكايات نفتخر ونحتفي بها ونقدسها لأنها رمز فني ووطني، وأيضًا سمات شخصية قريبة لأي بني أدم طبيعي بداخله كل الصفات البشرية بحلوها ومرها، بخيرها وشرها.

كان من غير المسموح في تلك الأعمال تقديم أية نقائص للشخصية سواء فنية أو سياسية، اللهم إلا الجزء الأول من مسلسل الجماعة للعبقري الراحل وحيد حامد، الذي اجتهد فيه لتقديم صورة أقرب للحقيقة عن شخصية حسن البنا والجماعة بشكل عام، يمكنك مراجعة تتر نهاية المسلسل لترى كم المراجع التي قرأها المؤلف ليقدم لنا تصوره النهائي عنهم، وكذلك فعل مؤلف أيام السادات.

من المهم أن نعي جيدًا أن ما شاهدناه على الشاشة في تجربة " الست " هي رؤية صناع العمل لأم كلثوم، الرؤيه المستوحاه من مذكراتها وبعض المقالات التي كُتبت عنها والتي كتبتها هي أيضًا بالإضافة للتسجيلات الصوتية المتوفرة لها ...الخ من الوثائق التي أتيحت لهم.

كانت رؤيتهم بإختصار أن الست أم كلثوم عاشت حياة حاولت فيها أن تكون أهم مطربة – ونجحت في ذلك - وأهم إمراة في الوطن العربي الذي لم يكن ليقبل وجود المرأة في منصب قيادي كما حدث معها في إنتخابات نقابة الموسيقيين – ونجحت في ذلك - وهي تنافس الموسيقار محمد عبدالوهاب، أو أن يقبلها كمطربة دون أن يقدمها والدها على أنها "صبي" يلبس العقال والجلابية أو أن تكون مطربة وفي نفس الوقت تحظى بمكانة إجتماعية تستطيع من خلالها أن ترتبط بمن أحبته وأحبها كخال الملك فاروق الذي تركها لأن شقيقته الملكة نازلي لم ترى في تلك الزيجة ما يناسبهم كأسرة ملكية.

(حب الرجل جزء من حياته أما حب المرأة فهو كل حياتها) الشاعر الانجليزي جورج بايرون

ووسط كل هذه الطموحات الكبيرة لأم كلثوم لم تنسى طبيعتها كـ ست من المفترض أن يكون الحب هو كل حياتها، ولكن ما قدمه صناع العمل من رؤيتهم وقراءتهم لحياة أم كلثوم أنها عاشت حياة كان الحب فيها على الهامش – كيفاً وليس كمًا - بالنسبة لطموحها الفني وتحقيق ذاتها كإمراة، عندما رفضت حب احمد رامي ورأت في عدم إرتباطهم ضمانة لإستمرار نجاحهم سويًا.

بعيدًا عن الإنتقادات التي ركزت على شكل أم كلثوم في الفيلم وأن منى زكي لم تكن مناسبة لهذا الدور، ناهيك عن حجم اللُغد، الذي كان سببًا في كوميكس من " أنكت " الكوميكسات وهو بوستر الفيلم ومكتوب بدلًا من الست " اللُغد "، وهذا طبيعي جدًا ومقبول في هذا العصر وكل ذلك الكم من السخرية هو نتاج تأثرنا بالروح التي تبثها السوشيال ميديا، فهي تُعد الأن مسرح السخرية الأول في العالم كله.

بعيدًا عن السوشيال ميديا وتأثيراتها كان هناك بعض الإنتقادات الموضوعية لما قدمه صناع العمل من تفاصيل علاقتها مع أخيها وأفراد عائلتها وكذلك فرقتها التي كانت تصل لأربعين عازفًا تستحق المناقشة والتفنيد.

(القائد الناجح يحتاج لمزيج سحري بين الشدة واللين)

إمراة مثل أم كلثوم بكل تلك الطموحات والنجاحات التي حققتها عليها أن تحقق التوازن بين الشدة واللين لتحافظ على ما وصلت إليه والإنتقادات التي وجهت لمشهد تعاملها مع أحد عازفي فرقتها بعصبية وحدة شديدة يُعد هذا الهجوم هو الإختلاف في التوصيف بين مفهوم الغلظة والشدة عند الكثير، ومن الطبيعي أن يختلف التوصيف والتقدير من شخص لآخر، وبحسب موقع " مجازين " – المصدر في نهاية المقال - فقد بلغ عدد أفراد فرقة أم كلثوم في الخمسينات والستينات 40 عازفًا ! وهو عدد ليس بالهين قيادتة لركوب حافلة بشكل منظم وراقي، فما بالك بقيادته للعزف على آلات موسيقية مختلفة بشكل منسجم لا يُحدث أي نشازا !؟

أما كيفية متابعة وإدارة أموالها مع أخيها خالد فهناك شعرة بين الحرص والبخل، وإختلاف الناس في تقدير التصرف الحريص من نظيره البخيل، خَلق إمتعاضًا عند الكثير من مشهد طلب أم كلثوم من أخيها خالد أن يكتب إيصالات صرف بيوميات الفلاحين وإيجار المعدات !.

لماذا لم يظهر حليم مطلقًا، ولماذا حضر عبدالوهاب "بضهره" في مشهد سقوطه أمام أم كلثوم في إنتخابات النقابة، ولماذا لم يظهر عبدالناصر أكثر من ذلك ؟

إجابة هذه الاسئلة في المشهد الافتتاحي للفيلم والذي إكتمل في النهاية، أم كلثوم على مسرح الأوليمبيا في باريس تستعد للغناء لصالح المجهود الحربي لوطنها رغم إشتداد مرضها، ثم تسقط أرضًا بسبب محب حاول تقبيل قدميها وفي النهاية تعود وتقف شامخه وتكمل غناءها وتعفو عن ذلك المحب.

الفيلم يتناول حياة أم كلثوم من زاوية الطموح الغير محدود، ومن المهم التركيز فقط على كل ما يخدم هذه النقطة، طالما اختارها صناع العمل ليحكوا من خلالها مشوار الست، فلن يكون هناك تركيز على تعاونها الفني مع عبدالوهاب في بعض أغانيها وسيكون من الضروري التركيز على تنافسهم سويًا على منصب نقيب الموسيقيين، كما لن يتطرق الفيلم للمناوشات التي حدثت من حين لاخر بين حليم وأم كلثوم، لأنها كانت أشياء لا ترتقي للصراع الرئيس في القصة.


(عبدالناصر وقبلة الحياة)

كل ما قد كان قد أُشيع عن حبه لها وجزم البعض أنهم كانوا يتبادلون الحب ولو من بعيد لبعيد، والخ من تلك الحكايات التي مازالت تتواتر حتى يومنا هذا، كان ظهوره أيضًا بما يخدم الفكرة الرئيسية للفيلم، فما إن إشتد المرض على أم كلثوم وفكرت في الإستسلام، عادت أم كلثوم تغني من جديد في حفل عيد الثورة بأمر من عبالناصر نائب الرئيس وقتها الذي حياها بعد الحفل قائلا " الشعب اشتاق لحلفة الست .. مش كفاية قعدة في البيت بقى ؟" وعرض عليها أيضًا السفر للخارج إذا كانت حالتها الصحية تستدعي ذلك، ولكن كبرياء " الست " جعلها ترفض الفكرة بمنتهى الذوق وأنها على ما يرام.

(الموسيقى التصويرية)

نجحت موسيقى هشام نزيه في ترجمة كثير من أحاسيس مشاهد الفيلم، المهم أن الترجمة كانت مُبدعة، فالموسيقى التي صاحبت وصول أم كثلوم وأسرتها الصغيرة إلى مصر وأعينهم تلاحق كل ما يشاهدونه حولهم، تخبرك منذ النغمة الأولى أنك أمام " قروي بهرته أضواء المدينة "ولكن المقطوعة الأروع كانت تلك النغمة في مشهد إعلان فوز أم كلثوم في إنتخابات النقابة أمام عبدالوهاب، وتكررت نفس النغمة وقت عدولها عن فكرة الخضوع للعلاج الذي كان سيؤثر على إستمرار مسيرتها الغنائية بعدما كانت قد حزمت حقائبها وإستعدت لدخول المستشفى وأيضًا بعدما حياها ناصر وأعادها للغناء من جديد، تلك النغمة تم عزفها بالـDistorted electric guitar  وإستخدام تلك الآلة في عالم الموسيقى التصويرية عادة يكون للتعبير عن لحظات التمرد والإنتصار وهما عنوان خاص على الثلاث مواقف، وينسحب بشكل عام على حياة أم كلثوم، ما بين التمرد على وضع المرأة في تلك الفترة، والإنتصار لتمردها وبلوغها هدفها أن تصبح الست أم كلثوم.

 

 المصادر

عدد أفراد فرقة أم كلثوم بين  https://megazine.ultrasawt.com/%D8%B4%D8%A7%D8%B4%D8%A7%D8%AA/%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D9%87%D9%88%D8%A7%D9%85%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%AA%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D8%AA

 

 

الاثنين، يونيو 30، 2025

عن إيطاليا التائهة و الإمبراطور الطفل .. الهوس بالسلطة في مقابل كل شئ

 


منذ فترة ليست بالبعيدة - ولا بالقريبة - اقترحت علي إحدى الصديقات مشاهدة فيلم Tea with Mussolini

تكاسلت، وتاه الفيلم وسط عشرات الأفلام المنتظر مشاهدتها، إلى أن شاهدته بالأمس. الفيلم من أفلام السيرة الذاتية القليلة التي تستحق وصف "عظيم" رغم علمي مسبقًا أنه من إخراج (فرانكو زيفيريللي) المخرج المسرحي والسينمائي وكاتب السيناريو والسياسي والمقاتل السابق في المقاومة الايطالية، ولكن في عالم السينما لا عبرة بالأسماء، فرغم أني متيم بالمخرج البريطاني نولان والمصري شريف عرفة إلا أن لهم مشاريع لم يوفقوا فيها.

لا أعلم الكثير عن تاريخ إيطاليا في عهد موسوليني، ربما كل ما أعرفه كان بالصدفة عند قراءتي لأحد قصص الجيب للراحل دكتور أحمد خالد توفيق " فلننقذ الدوتشي " وكل ما أتذكره من تلك القصة أن الدوتشي موسوليني كان تابعًا لهتلر، ما شاهدته في الفيلم لم يختلف كثيرًا عن القصة، كان الدوتشي طفلًا كبيرًا منبهرًا جدًا ببذتة العسكرية المهيبة المطرزة والمزدحمة بالأوسمة والنياشين، تشبه إلى حد كبير بذة السادات ولكن شتان الفارق بين قائد منتصر ورجل لم يتخطى فترة طفولته يفرح بالبذات العسكرية كما كنا نفرح بها وقت الأعياد.

يبدأ الفيلم بقصة الصبي لوكا الذي كان نتيجة علاقة غير شرعية بين السيد لوتشينو وإحدى عشيقاته، ولكن بوفاتها أودع السيد لوتشينو الفتى في دار أيتام بإحدى الكنائس، كان لوكا كثير الهرب، يريد أن يعيش حياة طبيعية، ولكن والده يرفض أن يغضب زوجته والتي هي أيضا احدى الحمقاوات التي نُزعت الرحمه من داخلها.

كان ذلك الأب تجسيد أو الخط الموازي لموسوليني في قصة الفيلم، فهو من ناحية قاسي القلب يجري وراء شهواته على حساب أبنه والذي في نفس الوقت كان يريد لأبنه أن يكبر كـ نبيل إنجليزي يتقن الإنجليزية ويحفظ الشعر ويدرس الأدب الانجليزي، حتى انه في احد المرات القليلة التي تقابلا فيها نهر ابنه عندما قال إحدى الكلمات باللغة الايطالية!



وبعد فترة يرتمي موسوليني في أحضان النازية كليًة فيعدل الأب ويتغير إتجاه تفكيره صوب النازية، فبعد أن كان طلبه من مساعدته السيدة الانجليزية " مس والاس " الإعتناء بابنه بديلًا للكنيسة التي يهرب منها دومًا في أن يصبح نبيلًا إنجليزيًا، عاد الأب وطلب من لوكا أن يذهب إلى النمسا في مدرسة داخلية يديرها النازيون ليصبح مهندسًا!

لم يكن مستغرب كثيرًا على السيد الإيطالي – المفترض – لوتشينو هذا التشتت، فهو من خلال مهنته نعرف مدى تحكم المصلحة به، فهو في النهاية تاجر أقمشة والتجارة شطارة ولابد أن يعوم مع التيار.

وما بين طلب والده تعلم الإنجليزية وحفظ الشعر والإبحار في أدب شكيسبير، وطلبه السفر للنمسا لدراسة الهندسة في مدرسة نازية، فما الذي يريده لوكا ؟

هذه هي القصة في الخلفية، فموسوليني يظهر بمظهر الطفل الكبير المعجب بأزياءه العسكرية الفخمة ذات النياشين الكثيرة وبمكتبة الواسع -والفارغ في نفس الوقت- في القصر مثلما يسعد للمكانه التي يكتسبها يومًا بعد يوم في مزاد يبيع ولاء إيطاليا، من يريد إيطاليا ؟ معسكر الحلفاء أم المعسكر النازي ؟

تتشابه قصة لوكا والقصة الأكبر إيطاليا تحت عنوان " إحنا رايحة على فين "، إيطاليا التائهة، الهوية المهمله، هي ليست مفقودة، فجدران إيطاليا ومتاحفها تخبر الجميع بهوية إيطاليا، حتى لوكا يعرف هويته الحقيقة، حتى أحد الجنرالات المقربين من موسوليني، تذرف عينيه بالدمع لما يحدث لبلده في لقطة وحيده عابره، الوحيد الذي لا يعرف ولا يرى هو موسوليني.

هل كان موسوليني يخشى ذلك المجنون هتلر أم أنه حقًا دوتشي برتبة طفل، يفرح جدًا لإرتداء الملابس العسكرية المرصعة بالنياشين كما كنا نفرح نحن جيل الثمانينات ببدلة الظابط في الأعياد.


في نهاية الفيلم هناك مفاجأة عظيمة جدًا، لن أفصح عنها رغم مرور على إنتاج وعرض الفيلم أكثر من عشرون عامًا، ولكن ما يمكنني أن أنوه عنه أني أكتشفت أن قصة لوكا وحياته كانت حقيقية، رغم الإختلافات الطفيفة، ولكن هذه ليست المفاجأة، المفاجأة تتعلق بلوكا في جملة واحدة تكتب على الشاشة في نهاية الفيلم.


الأحد، يونيو 29، 2025

الفيل الثاني .. مكافأة لمن قرأ الرواية

 


بعد مشاهدة الجزء الثاني من الفيل الأزرق يمكن تصنيف جمهور الفيلم لثلاثة شرائح : الشريحة الاولى لم تقرأ الرواية ولم تشاهد الجزء الأول وبنسبة كبيرة جدًا ستنبهر بالجزء الثاني. أما الشريحة الثانية فقد شاهدت الجزء الأول بدون قراءة الرواية مسبقًا ومن الممكن ان ترى الجزء الثاني أضعف من الجزء الأول أو أن الجزء الأول كان أغنى وذلك طبيعي، أما الشريحة الثالثة فقد قرأت الرواية وشاهدت الجزء الاول وبذلك إستحقت مكافأة الكاتب والمخرج الموجودة في نهاية الجزء الثاني.

أغلب أفلام الجزء الثاني بتبقى نفس الحبكة والصراع مع تغيير بعض الشخصيات ولنا في سلسة أفلام " فارس الظلام" عالميًا، وولاد رزق محليًا خير مثال.

ويصبح التحدي الذي يواجه الكاتب والمخرج في مشاريع الجزء الثاني هو كيفية تطوير الصراع والشخصيات بطريقة تحافظ على تماسك القصة وعدم تسلل إحساس ( ما هي هي الحكاية ) ولكن هذا الشعور قد تسلل إليَ أثناء المشاهدة، ولكن جرعة الفانتازيا التي استعوض بها مراد ومروان تشابه القصتين قد أزاح هذا الشعور بنسبة كبيرة، فقد برعوا في مشاهد ترجمة هلاوس يحيى راشد بصريًا بشكل مبهر وممتع واخترق مساحات كبيرة في أعماق يحيى راشد المثيرة، خاصة تلك التي شاهدناها على الشاشة بدون تأثير حبة الفيل الأزرق الشيطانية، ولم يختلف دور حبة الفيل الأزرق في الجزء الثاني عن الجزء الاول، فقد سافرنا لعوالم جديدة أيضًا بعد رجوع يحيى راشد لتعاطي الفيل الازرق ليكشف غموض الحالة الجديدة، " فريدة/هند صبري" وبمناسبة هند صبري فكان أداءها متوسطًا مقارنة بالوحش السيكوباتي خالد الصاوي في الجزء الأول وذلك في المشاهد التي كانت تتحدث فها بلسان العفريتة الغجرية، أما أداءها لشخصية فريدة فنجحت في إقناعنا بمأساتها والتعاطف معها.


ورغم أن المقارنة قد تكون ظالمة إلا أنها واجبة، حتى أداء إياد نصار لشخصية الدكتور أكرم أتسم بالعادية ولم يضاهي شخصية الدكتور سامح التي لعبها تايسون في الجزء الأول وقد يرجع هذا إلى إختلاف صراعهما مع يحيى راشد، فأكرم صراعه موضوعي أكثر منه شخصي، فأكرم تتملكه الغيرة على مهنته من دكتور مدمن كحول ودجال كيحيى راشد، أما صراع سامح مع يحيى كان نتاج حقد شخصي بعد تفضيل نيرمين يحيى عليه.



أما الشخصية الرئيسية " يحيى راشد " فقد تعمق الجزء الثاني أكثر داخل أغوار نفسه المحيرة، ولعل الكثير قد يستغرب عودة يحيى راشد مجددًا – في الجزء الثاني – للقمار وشرب الخمر بعدما شاهدناه في نهاية الجزء الأول وقد أعطته الحياه فرصه أخرى وتزوج " لُبنى " حب عمره، ولكن مشهد صراع يحيى مع شبيهه في القطار لم يكن فقط تعمق داخل نفسه بقدر ما كان تعمق في أغوار النفس البشرية بشكل عام، المشهد كان ترجمة بسيطة/ذكية جدًا لمقولة الفيلسوف اليوناني أرسطو "مشاكلي مع نفسي تتعدى بمراحل مشاكلي مع أي مخلوق أخر".  

على الرغم من وفاة زوجته نرمين وزواجه من لُبنى في الجزء الأول، إلا أن سلوك يحيى راشد في الجزء الثاني أثبت لنا أن الفارق كبير بين حدوث التغيير وبين الشعور به، وكالعادة موسيقى هشام نزيه كانت وستظل العنصر المتمم لمشاريع الثنائي العبقري أحمد مراد ومروان حامد.


وبالحديث عن عبقرية ذلك الثنائي، فيبدو أنهم قرروا الإحتفاظ بمكافأة خاصة لمن عاش مع حدوتة الفيل الأزرق منذ كونها مجرد رواية ثم أصبحت فيلم ثم أتبعه جزء ثاني.

قبل الحديث عن النهاية فلابد من الحديث عن جانب من جوانب عبقرية مراد ومروان في فكرة تحويل الرواية إلى فيلم ثم إستغلال نجاح الفيلم في تقديم جزء ثاني، يبدو أن المشروع كان مدروس بعناية ولم تكن نهاية الجزء الأول مجرد نهاية مناسبة للسينما وان البطل اتجوز البطله وتوته توته فرغت الحدوتة، خاصة وأن النهاية اختلفت عن تلك التي انتهت بها الرواية.

فأغلب الظن أن الثنائي قررا ترك الباب مواربًا أثناء كتابة الجزء الأول لفكرة تقديم جزء ثاني مستقبلأ، لذلك احتفظ مراد بنهاية الرواية جانبًا وقرر تقديم نهاية قد تكون تقليدية، وجعل نهاية الرواية هي نهاية أحداث الجزء الثاني، وهذه هي المكافأة التي حصل عليها النوع الثالث من مشاهدي الجزء الثاني من الفيل الأزرق.


الخميس، يونيو 26، 2025

بعد مشاهدة "ما وراء الطبيعة".. هل المقارنة واردة مع "الفيل الازرق"؟


 كل الأشياء فريدة في جوانب معينة متشابهة في جوانب أخرى. "جيروم ستولينتز".

بعد أن أظهرتٌ ندمي لأكثر من صديق لعدم قراءتي للسلسلة قبل المشاهدة خاصة من وقت الإعلان عن تحويل السلسلة لمسلسل تلفزيوني، أخبروني أني من المحظوظين لأن العمل مختلف بنسبة كبيرة عن الروايات وإن كان المخرج قد نبهنا لذلك في البداية من أن العمل مستوحى من السلسلة.

ربما لو كنت قد قرأت السلسلة قبل، لكنت الآن أكتب عن الفروق بينها ويين المسلسل رغم علمي بأن الإختلاف حتمي بين كل وسيط منهم، الأهم أني كنت سأتفادى- بكل تأكيد - "نحس" الدكتور رفعت إسماعيل الذي مسني في بداية المشاهدة حيث أنني لخطأ ما قد شاهدت الحلقة السادسة والأخيرة أولًا!، ربما كنت سأفطن بعد دقائق أنني أشاهد نهاية أسطورة البيت، الأسطورة التي اختارها المخرج لتحوي في باطنها أسطورة النداهة ولعنة الفراعنه وتقف في الخلفية تحتضن تلك الأساطير التي اختارها المخرج لتكون فاتحة تقديم موسم أول من السلسة كعمل درامي.

المقارنة واردة ومشروعة ولكن هل هي واجبه أو مجدية ؟

كلا العملين ينتمي لأدب الرعب كما يشتركان في تيمة بطل القصة " الطبيب المحقق " فيحيى راشد طبيب نفسي يجد نفسه أمام جريمة قتل غريبة، يحاول فك لغزها من خلال حبوب مخدره تمكنه من السفر لعوالم موازيه يحاول فيها الربط بين ما يشاهده خلال رحلته في تلك العوالم وبين واقع الجريمه المطلوب منه تفكيك ألغازها. 

"أنا الدكتور رفعت إسماعيل أستاذ أمراض الدم .. ولا يوجد ما يسمى بما وراء الطبيعة"


تقود الصدفه رفعت إسماعيل – طفلًا- الى بيت الخضرواي الذي يشاهد فيه الطفله شيراز، الحدث الذي سيقلب حياته رأسًا على عقب وتجعله يغوص في أعماق (ما وراء الطبيعة) الذي ينص قانونه على رفضها، وتساعده شيراز لحل ألغاز كثيرة كان يؤمن بأهمية وفردانية العلم وحده لمعالجتها، إلا أن رؤية شيراز في طفولته قادته إلى تعديل قوانينه والإعتراف بما يسمى (ما وراء الطبيعة).

رغم إستناد كلا العملين إلى أساطير من بيئتنا الشرقية إلا أن أساطير مسلسل ما وراء الطبيعة كانت أقرب بشكل كبير إلى بيئتنا المصرية التي تحوي – بحكم شرقيتها – العديد من الألغاز كـ لعنه الفراعنة والنداهه مما جعل المشاهد يشعر أخيراً بأن هناك من هو قادر على تقديم هواجسه المصرية فيما يخص حواديت الرعب إلى الشاشه بشكل جيد والأهم من ذلك أن تكون بشكل درامي مشوق بعيداً عن عقدة الخواجه، وهو حلم وتساؤل قديم للجندي الغير مجهول د. أحمد خالد توفيق والذي حلم كثيرًا بتقديم تلك الأساطير من خلال عمل روائي – ما يتقنه وتفوق فيه – يجذب القارئ ولا ينفر منه مستدعيًا أساطير غربية تُطعم شغفه بأدب الرعب.

أثناء مشاهدة الحلقة الخامسة تحديداً كانت عناصر المقارنة بين العملين قد اتضحت تماماً. فبعد إستعادة رفعت إسماعيل ورقة التاروت الخاصه بالأحلام التي أخذها من صديقه "لوي" أثناء وجودهما معًا في صحراء ليبيا يبحثون عن ترياق السيلفيوم، تذكر "رفعت اسماعيل " وقتها نصيحة لؤي له بأن يبحث عن ما يشغل عقله كله من خلال أحلامه عبر تدريب " وعيه " على إدارك "لاوعيه" ودراسته جيدًا حتى ينقل وعيه إلى أحلامه ويسطير عليها ويطوعها كي تفسر له الغرائب التي تعترض طريقه باستمرار.

مع تناوله حبوب المنوم تذكرت وسيلة يحيى راشد في تفسير ألغاز الجريمه " حبوب الفيل الازرق " والتي علمياً لم يكن دورها – كوسيلة - مبرر بشكل كافي للربط بينها وبين ما يشاهده من أحداث مشابهه للجريمه التي حدثت في الواقع. 



أما وسيلة رفعت إسماعيل، وهنا تكمن براعة خالد توفيق في خلق وسيلة تبدو منطقية لبطلنا رفعت إسماعيل كي يستدعي" شيراز" إلى أحلامه كي يحل لغز ظهورها المتكرر وعلاقتها بكل بالأحداث التي تم إقحامه فيها بحثًا عن تفسير.

كما أنها طريقة سهله لإيهام المشاهد بقدرته على تجربتها في الواقع إذا ما أراد يوما فهم أحلامه والسيطره عليها. فكل ما يحتاجه هو مجرد نوته وقلم وتسجيل أحلامه دوريًا لفك رموزها عبر مطابقتها مع يمر به من أحداث يوميًا، لا أن يبحث عن حبوب ال "دي إم تي" أو حبوب مخدر الفيل الازرق كما رمز لها أحمد مراد مؤلف الرواية، ناهيك عن سمعتها كمخدر فهي أيضا خطيرة واغلب من تناوله لم تسر حياته بشكل جيد بعد الخروج من التجربه، هذا ما اخبرتنا به تجارب ممن كتبت لهم الحياه بعد تناولها !

وفي الأحلام قابل كلاهما ضحاياه، الطفل الذي عجز رفعت اسماعيل عن نجدته عندما غلبه الإهتمام ففقد تركيزه ولم يستطع أداء عمله كطبيب، أما يحيى فقابل ابنته "نور" التي ماتت إثر حادث سيارة، سببه قيادة يحيى للسيارة مخمورًا وعلى سرعه 160 كم/ ساعة!


وهنا برزت كل العناصر الباقية فجاثوم رفعت يمكن تشبيهه بنائل النكاح في رواية يحيى راشد وهنا الشهادة لصناع الفيل الازرق – خاصة الجزء الثاني - في إتقانهم لتخليق كل المخلوقات العجيبة بعدما رأينا رداءة تصميم الجاثوم وحركته المقضوحه بعض الشئ للمشاهد الذي يعرف عنصر السي جي أي أو كما يشاع بين أكثريتنا " الجرافيكس ".

من ضمن المتشابهات أيضًا في تكوين الشخصيتين على الشاشة، حديث البطل الداخلي، يحيى راشد كان صوت حواره الداخلي لكشف دلائل صدق/كذب الشخصيات التي يقابلها عن طريق تفسير لغة جسده – تخصصه الأساسي – أما رفعت إسماعيل فكان يسخر داخليًا من كل من حوله.


" التدخين بشراهه " وهذه السمه دلاله على مدى التوتر الذي يتنفسانه كلا الشخصيتين وإن كان يحيى يدخن الحشيش ويشرب الكحول الى جانب تدخينه الشره.

" النهاية " .. في الجزء الأول والثاني من الفيل الأزرق يقوم يحيى بفك بعض الطلاسم وترجمتها إلى عبارات تحرر أجساد شريف الكردي وفريدة من الجن، بينما يقوم رفعت إسماعيل بإستخراج جثة شيراز من القبو حتى تتحرر روحها ويقوم بدفنها في فناء البيت.

ولكن الحدث الأهم الذي تنتهي به أحداث كلا العملين، هو التساؤل الذي يفتح أذهان المشاهدين، فبعد إستيقاظ يحيى راشد وظهور رسوم الوشم على جسده يسألنا مؤلف الفيل الازرق ومخرجه عبر الصورة : هل نائل داخل عقل يحيى أم داخل جسده أيضا؟، أما رفعت إسماعيل فيتسائل، لوسيفر شخصيًا! الشيطان عايز مني ايه ؟!

برغم تحيزي لمسلسل ما وراء الطبيعة إلا أن صناع الفيل الأزرق فتحوا لنا باب تقديم ما يعرف بسينما الرعب.


لو لم تكن الأشياء متشابهة فيما بينها في نواح معينه لما أمكننا التعرف عليها أو تصنيفها."جيروم ستولينتز".

الثلاثاء، مايو 27، 2025

تفصيلة مُبتكرة "هز" بها محمد أبوسيف "وسط البلد "

 


هز وسط البلد فيلم من أفلام اليوم الواحد، فخلال ثمان ساعات في منطقة وسط البلد بمدينة القاهرة، تتداخل حكايات مجموعة من الشخصيات المختلفة إستعرض من خلالها المخرج والمؤلف محمد صلاح أبوسيف الأمراض الاجتماعية التي أصابت المصريين من تطرف وإنحدار للفن وللقيم والأخلاق، وكان أسم الفيلم معبرًا. إنها – وبحق - عملية "هز" كما يفعل الغربال.

وكما تشابكت قصص الشخصيات وتداخلت في زحام الشارع أيضا تشابكت تفاصيل الشارع مع الموضوع والشخصيات، مثل الوحات المعدنية للسيارات.

أستخدم أبوسيف (إبن صلاح أبوسيف) – بذكاء – اللوحات المعدنية الجديدة التي كانت قد أقرتها إدارة المرور في عام 2010 والتي تحمل حروف وأرقام، وضع أبوسيف عناوين للمواقف وللشخصيات من خلال إستغلال حروف اللوحات، تفصيلة ذكية تندرج تحت بند اللغة السينمائية، وهي تفصيلة تعود بنا إلى زمن السينما الصامتة عندما كان المخرجون يضعون عبارات كعناوين توضيحية ولكن تلك المرة تناولها أبوسيف  بشكل جمالي، في خلق فضول لدى المشاهد ومنع عنه الملل وحفز تركيزه لكي يظل منتبهًا طوال مدة عرض الفيلم.

كانت أولى اللوحات عنوان لليوم الذي ستدور فيه الأحداث فأستهل أولى لقطاته بـ لوحة لسيارة نمرة (ي و م) ولوحة لسيارة أخرى (ط ي ن)، يوم طين.



وعند توقف سيارة توزيع الصحف نلمح لوحة حروفها ( ك د ب ) في إشارة لتدني مستوى الصحافة.

ومع إنتهاء الحديث الغامض وبعد ذكر أمن الدولة في حديث منذر ريحانه والشيخ رفاعه(عمرحسن يوسف) تأتي نمرة سيارة (رع ب) وبعد ذلك سيتكشف لنا أن منذر ريحانه إرهابي يريد تفجير المكان، والشيخ رفاعه مصمم القنابل.

ومع تدخين الطفل لسجارة تمر سيارة نمرة (ط ف ل) تتعجب من إعطاء صاحب المحل (مصطفى درويش) للطفل سجارة ليدخنها.



ومع رمي أحد زباين القهوة اللواء السابق بالجيش مدحت(حمدي ندا) لكيس به ساندوتشات للأطفال في الشارع تمر سيارة نمرة (ج وع) خاصة مع تهافت الأطفال على الكيس، وهي لوحة ربما تحمل أكثر من معنى!

ومع الجدال بين صاحب المحل الحاج يكن(علاء زينهم) وابنه حسن(مصطفى درويش) على ما يبيعه في المحل من كروت شحن وأشياء أخرى ليس لها علاقة بأدوات التدخين تمرسيارة تحمل نمرة (زم ن) ندم وحسرة على الزمن بعد أن أنهى الإبن المحادثة والجدال مع أبيه بأن أداوات التدخين راحت عليها خلاص، والناس مبتشربش بايب زي زمان وبتشرب بانجو ياحج.

ويقف تاكسي أمام الكاميرا يحمل نمرة (و غ د) ونسمع صوت خناقة الزبون مع السائق لأنه مش عايز يدفع 20 جنيه ثم نشاهد وجه الزبون حسين مؤنس(فتحي عبدالوهاب)، الوغد، والمخرج هنا لا ينعته بالوغد لمجرد فصاله مع التاكسي ولكن هو يمهد لنا ما سيحدث من حسين مؤنس بعد ذلك عندما يراود الشحاته حورية( إلهام شاهين) عن جسدها، مستغلًا فقرها المتقع وحاجتها للمال لإطعام أطفالها، وعندما تستجيب حورية له وبعد إنتهاء ما حدث بينهم في أحد مخازن السينما تمر سيارة نمر (ن ج س).



وعاد المخرج ليستخدم حروف لوحات السيارات كتحذير أو تمهيد للمشاهد لما هو مقدم عليه، حيث أن المشهد التالي مرت سيارة ربع نقل حروفها (ف ق ر) وبيفتح الكادر لترى حوريه الشحاته وشيماء سيف وعدد من الغلابة وهم على طبلية السيارة.

وبعد مشهد محاولة شراء حسن يكن لمخزن الشيخ رفاعه على 2 مليون جنيه والفصال في السعر مرت سيارة نمرة (س و ق) سوق، عرض وطلب.

وبعد مشهد محاولة إقناع رجاء(حورية فرغلي) للشحاته حورية بإنها تسمع كلام حسين مؤنس الـ (ن ج س) والـ ( و غ د) وتبيع عيل من عيالها تمر سيارة نمر (ب ي ع)!

وبعد إعتراف حسن لأبيه يكن صاحب المحل بأن ما يدفعه رشوة لموظف الحي ليظل الشارع نظيفًا ومحميًا من البلطجية وغضبه من أن عم يكن مازال يعيش في الزمن القديم -الجميل- فمنطق عم يكن أنه كفاية دفع زكاة المال والضرايب حتى تسير الأمور على ما يرام، وعدم درايته بالتغير الذي حدث وغياب الحكومة عن كل شئ تمر سيارة نمر (ك ر ب) في إشارة لما إنتهت إليه الأمور.


وعند إصطحاب ليلى عزالعرب لمحمود قابيل(منوفي بيه) لشقتها وهي التي تتحرش به منذ بدء الفيلم وتمتلئ عينها بالرغبة فيه، مرت سيارة نمر (ج ن س) نوه بها المخرج عن شكل علاقتهم.

وبعد مشهد إتفاق فتحي عبدالوهاب أو حسين مؤنس مع إحدى الفتيات التي ستجلب الزبائن للسينما وهي مهنة تشبه الريكلام في الكباريهات والبارات تمر سيارة نمر (ق و ا د 666( وهي المرة الأولى التي يستخدم فيها المخرج الأرقام أيضًا رفقة الحروف، قواد ستات!

وبعد إنهيار منوفي بيه أمام منزل ليلى عزالعرب وسقوطه مغشيًا عليه تمر سيارة نمر (ع ج ز).

وقد يعاب على أبوسيف إفراطه في إستخدام لوحات السيارات عمال على بطال حتى في أتفه المواقف،

كمشهد حسين مؤنس والصول عثمان وهم بيطلبوا أكلة كباب من مرعي مندوب المنتج تمر سيارة نمر (ط ف س) فالوغد النجس بالضرورة طفس وجشع، وعندما أخذت رجاء(حورية فرغلي) أفرول عامل النظافة مرزوق، أراد زميله مدبولي تأجير أفروله هو كمان فعرضت عليه رجاء عشرة جنيه فوافق ومرت سيارة نمر (ر ز ق)، وعندما كشف كريم(موظف الحي) الملعوب، فرجاء كانت تستغل الأفرول في التسول وبخها كريم بشدة ولكن ليس لإنتحالها صفة موظف أميري أو إستغلالها الأفرول الميري ولكن السبب كان رفضها إقتسام حصيلة تسولها معه، لتمر سيارة حروفها (ع ب ث) وهو شئ يفوق العبث حقًا!

وبينما كانت تبكي حورية الشحاته وتصرخ "رجعولي بنتي" وحواليها كرم(أمير شاهين) وإبتسام(زينة) ورجاء(حورية فرغلي) تمر سيارة لوحتها (هـ م)، هم ما يتلم.



ومرورًا على التعليقات الطريفة من المخرج على شخصيات فيلمه مرت سيارة نمر (ز ا غ) واصفًا موقف منوفي بيه بعد ما شرب شوربة الكوارع وعرضت عليه ليلي عز العرب مجددًا انه يطلع يريح فوق في شقتها فـ زاغ وهرب منها مسرعًا.

أما المدرس(كريم كوجاك) دفع جزء من الحساب إللي عليه للمعلم بدر ووعده أنه هيكمل باقي الحساب بكرة فمرت سيارة نمر (ت ن ح)، وعندما شاهد المعلم بدر(علي حسانين) المدرس وهو بيلم فلوس الحصة من التلامذه، خطف الفلوس من يد كريم كوجالك وقاله: دي بقية حسابي وكده حسابي خلص، مرت سيارة نمر (ع ل م) علم عليه.

وعن الإبتذال الذي طال الفن كان أبوسيف مباشرًا جدًا حيث سمى الفيلم المعروض، فيلم "الصدر والورك"!

وعندما اصطحب طارق(أشرف مصيلحي) الصحفي رؤف(رامي غيط) ليعرفه على منتج الفيلم وصاحب السينما(تامر عبدالمنعم) ويتوسطله عشان يدخل السينما يتفرج على الفيلم ببلاش وينوبه من المنتج قرشين تمن مقاله سيكتبها متغزلًا في الفيلم، قام المنتج عمله إختبار وسأله: نعلق مجسم الورك هنا ولا هنا؟ فقاله رؤف: انت تحب نعلقه فين؟ فأثنى المنتج على مفهومية رؤف وظهرت سيارة نمر (و ر ك) وكنت أرى لو كانت لوحة السيارة ( رُ خ ص ) كانت ستكون معبرة أكثر فمجسم الورك موجود بالفعل ولا يحتاج للوحة سيارة، أما لوحة الصدر فظهرت عندما عرض الصحفي روؤف على المنتج يعلق صورة لبطلة الفيلم يحتل صدرها جزء كبير من الصورة، انه يعلقها في وش إللي داخل فألقى المنتج دعابه وقال أو في صدره وضحك الجميع ومرت سيارة نمر (ص د ر) وربما كانت لوحة السيارة أوقع لو كانت (ب ي ض)، وممشش.

وبكل تأكيد فيلم كهذا وتاجر لحم أبيض يدعونه بالمنتج السينمائي وفتاة ليل تبيع جسمها يدعونها ممثلة، لن تكتمل لوحة عارهم وإبتذالهم إلا بحضور البهرجة التي تستلزم البذخ، فكانت لوحة السيارة (ب ذ خ) عندما أجرى منتج الفيلم إتصالاً يستعجل فيه سناء بطلة الفيلم إنها تنزل عشان الافتتاح، فتشترط عليه سناء يجيب عربية ليموزين طويلة، قالها : إنتي لو نزلتي من بيتكم هتبقي في السيما عشان بيتها جوا الشارع إللى فيه السيما، فرفضت فأحضر لها سيارة ليموزين بالفعل نمرها ( ب ذ خ )!

 


وعن المصير القذر لرجاء(حورية فرغلي) مرت سيارة لوحتها (فُ ج ر) بضم الفاء، بعدما باعت رجاء جسدها للسيده الخليجية التي تهوى السيدات، ولكن الفُجر عندما قالت رجاء لصديقتها إبتسام(زينة):

" مش أنتي لقيتي عريس؟"، فشبكت رجاء يدها بـ يد السيدة الخليجية وقالت " وأنا كمان ".

أقسى مشاهد الفيلم، شهد حضور أنوشكا التي كانت ستشتري عيل من عيال حورية الشحاته!، وبالفعل أخذت بنت حورية الشحاته عنوة بعدما تراجعت حورية في موافقتها وغلبتها مشاعر الأمومة رافضة بيع أحد أبناءها بعدما كانت قد أطمأنت لكلام رجاء بأن إستعادة الإبن ثانية بعد البيع أمر سهل طالما تملك شهادة ميلاده وتملك شهود على ذلك، تمر سيارة أنوشكا ولوحتها ( ر ا ح ) إللي راح ما بيرجعش فعلًا!

أما أهم لوحة فقد احتفظ بها المخرج لنفسه حرصا على عدم حرق مفاجأة الفيلم.

فكانت شخصية كرم/أمير شاهين الذي كان أسمه مطابق لأفعاله، كله جود وكرم حقًا، ولكنها كلها أفعال تنتدرج تحت بند الخداع الإستراتيجي فهو كان الوغد المستتر، وكنت أرى أن اللوحة المناسبة له ستكون ( غ د ر ) فعندما كشفت له إبتسام عن سرها، مخبأها السري لتحويشة عمرها " الغوايش الدهب " سألها " مش شايلاهم في بيتك ليه ؟ " أجابته " أصلك ما تعرفش إخواتي، وأتضح أنها لم تعرفه فمرت سيارة لوحتها ( خ و ف )، كانت تصف شعورها ناحية إخوتها، أما اللوحة التي احتفظ بها المخرج ولم يعرضها كانت ( غ د ر )، فعوضًا عن اللوحة التي لم تظهر، كان الكرم المبالغ فيه من شخضية كرم إختبار للحاسه السادسه لدى الجمهور!

وأخيرًا يبقى السؤال هل تغلب غدر كرم الذي بالمناسبه لم يطُل إبتسام فقط! بل إمتد لأكثر من شخصية في الفيلم، هل تغلب على نجاسة حسين ورُخص روؤف وإبتذال المنتج وتناحة المدرس وشهوة ليلى عزالعرب ؟