الاثنين، يونيو 15، 2026

فخ الزعامة

 



عادة عندما أنتهي من كتابة شئ أجد صعوبة في إيجاد عنوان مناسب على عكس كثير ممن يكتبون، يكون العنوان هو الأسهل والكتابة بعد ذلك هي الأصعب!

بعد مشاهدة مسرحية بودي جارد تصارعت العناوين والمنشيتات الساخنة في رأسي: "عندما تتحول الزعامة الى فخ" ، "سمك لبن تمر هندي" ، "بعد إنتظارها أكثر من عشرين عامًا!

لم أستطع الإحتفاظ بنسخة المسرحية مع زميلاتها، الواد سيد الشغال – الزعيم – شاهد مشفش حاجه، وأغلب مسرحيات عادل إمام، قمت بحذفها فور مشاهدتها، لم أحتمل فكرة انه ربما قد أشاهد تلك الثرثرة مرة أخرى يوما ما.

بكل أسف العمل سئ جدًا وخيب كل توقعاتي، ليس ذلك بسبب مستوى الكوميديا المتدني بالعمل فحسب، فمن الممكن جدًا أن يتدنى مستوى الكوميديا أو أن تكون كوميديا مبهجة داخليًا ولا تصل إلى مستوى الضحك "بالكركعة"، ولكن حتى هذا الابتهاج الداخلي لم يحدث ولو لثوان وأنا أشاهد "بودي جارد" من الدقيقة الأولى حتى النهاية، كنت أحاول أن أبحث عن أي شئ في العمل يدعوني لقبوله، كوميديا سخيفة وغير مبتكرة، قل مبتذلة إن شئت.

 

يوسف معاطي مؤلف العمل، لم يقدم أي جديد أو حتى شئ بمستوى الأعمال القديمة لعادل إمام والمقارنة هنا واجبه حيث إنه يقدم نفس الشخصية، الهلفوت "أدهم الجبالي"، الذي يجد نفسه وسط أثرياء القوم، رجل الأعمال "سعد الدين فارس"، وزوجته "عيشه" في بودي جارد، وهي نفس الفكرة في الواد سيد الشغال، "سيد" الذي يجد نفسه وسط أثرياء القوم، النائب "عاصم الدرملي" والدبلوماسي "شريف" زوج بنته "هدى"، وأيضا "زينهم" كومبارس السيما الذي تضعه الظروف ليكون بديلاً مؤقتًا لرئيس الجمهورية في مسرحية الزعيم.

كلا العملين، الزعيم والواد سيد الشغال كانت الموضوعات محبوكة ومترابطة، فأنتجت كوميديا صارخة، مازلت أضحك عليها حتى الأن رغم مشاهدتها مئات المرات، بعكس بودي جارد الذي لعب على نفس الفكرة، ولكن كان الموضوع مفكك ومستهلك إلى أبعد الحدود، للدرجة التي جعلت عادل إمام يستعين بأكثر من إفيه من أعماله المسرحية السابقة، وبشكل فج، لإستمالة الجمهور للضحك.

 

حتى فرضية أن الكوميديا قديمة لذلك لن تستهوينا بعد مرورعشرون عامًا، سقطت بعدما فشلت في الوصول لمستوى الواد سيد الشغال والزعيم، رغم أنهما الأقدم!

"أدهم الجبالي" مسجون يحاول الهرب من السجن، وفي إحدى المرات يوصله الممر الذي حفره، إلى زنزانة أحد رجال الأعمال المعروفين وقت العرض الاول للمسرحية عام 1999، بنواب القروض والذين حاولوا الإستيلاء على أموال البنوك والهرب بها خارج مصر.

تبدأ القصة عندما يُعجب "سعد الدين فارس" بموهبة وخطورة "أدهم الجبالي"، ليعرض عليه أن يعمل كحارس شخصي لزوجتة، "عيشه"، التي يخشى عليها من زملائِه خارج السجن، كان من المفترض هنا أن تحدُث الطرائف التي تنتج من إحتكاك هلفوت وصعلوك، كـ"أدهم الجبالي" بعالم الترف والثراء، "عيشه"و"كاظم"... الخ، تمامًا كما حدث من قبل مع "زينهم" أو "سيد"، ولكن النص الذي كتبه "يوسف معاطي" لم يقدم أي جديد أو حتى إعادة إنتاج القديم بنكهة مختلفة، أو حتى بنفس النكهة، ثلاث ساعات من الرغي المزعج، والمواقف المفتعله والمبتذلة، رغم أن الأمر حدث من قبل في أخر أفلام عادل إمام مع معاطي " بوبوس " ولكني أكن أتوقع ذلك تمامًا وأنا أستعد – بتلهُف – لمشاهدة بودي جارد!

النص ضعيف جدًا، ولا توجد قصة تجعلك تغض الطرف عن سوء مستوى الكوميديا، وتنتظر نهاية الحدوتة ولو بقليل من الشغف!

وفي نهاية الأمر يهبط علينا "يوسف معاطي" بقصة فرعية لأولاد "سعد الدين فارس وعيشه" الذي قدمهم معاطي في صورة شباب "ضايع" وإنحرف لعبادة الشيطان ونكران وجود الله!، ليقوم "أدهم" بافاقتهم من تلك الغفلة – ولا نعلم كيف ! - وتكون الخاتمة أن يلتف الشباب من حول أدهم، بعدما ردهم للإيمان مرة آخرى بوجود الله سبحانه وتعالى ولو كان ثمن ذلك الإيمان، أن يترك "سعدالدين فارس وعيشه وأصدقائهم، يهربوا بالأموال خارج البلاد.

ليجعلك تتسائل "إيه اللى جاب القلعة جنب البحر؟!"

قد يبدو للبعض أن الكوميديا والمسرح وجهان لعملة واحدة، وهذا خطأ شائع، ربما لكثرة أعمالنا المسرحية الكوميدية، أو إرتباط دخولنا المسرح في الأغلب في فصل الصيف، حيث الأجازة الكبيرة والمصيف والترف، المهم أني أنتظرت حتى أجد نقطة تلتقي فيها كل خيوط هذة الحدوتة، ولكن بكل أسف لم تكن هناك حدوتة مُسلية، أو مُثيرة تنتظر نهايتها بكل شغف، أو كوميديا مُبهجة، لا تكركع منها، ولكنها على الأقل تجعلك لا تشعر بمرور تلك الساعات الثلاث.

ربما تحولت الزعامة الي نقمة أو فخ بعدما وافق الممثلون على تقديم ذلك العمل وربما الزعيم نفسه، ظناً منهم أن أسم الزعيم يكفي.

الست .. الحقيقة بين نقيضين


 

تنويه : هناك فارق بين تصنيف أفلام السيرة الذاتية وأفلام السيرة، ففيلم الست هو فيلم " سيرة " لأنه كُتب وقدمه شخص أخر بينما " السيرة الذاتية " كتبها وقدمها الشخص نفسه وخير مثال هو رباعية يوسف شاهين التي كانت تتناول سيرته الذاتية.

أهم ما كشفته تجربة فيلم "الست" أن رصيدنا من أفلام السيرة التي تستحق أن تُعطى هذا التصنيف قليل جدًا.

مفتاح الكلام عن تجربة " الست " هو الإجابة عن سؤال " كم عمل فني من الأعمال التي تناولت سيرة شخصية عامة تظهر فيه بعض نقائص هذه الشخصية ؟

(ليس الفن موضوع لذة جمالية فحسب وإنما وسيلة لمعرفة الحياة أيضًا) تشيرنيشفسكي

تربينا مُنذ أمد بعيد على أعمال يطلق عليها صانعوها " سيرة " وفي الحقيقة هي أعمال من نوع " أذكروا محاسن موتاكم "، حيث يتم تقديم تلك الشخصيات وكأنها شخصيات ملائكية لا تشوبها شائبه، لذلك نالت تجربة فيلم الست بعض الإنتقادات لأن صناع الفيلم قدموا حياة أم كلثوم بكل ما فيها من حكايات نفتخر ونحتفي بها ونقدسها لأنها رمز فني ووطني، وأيضًا سمات شخصية قريبة لأي بني أدم طبيعي بداخله كل الصفات البشرية بحلوها ومرها، بخيرها وشرها.

كان من غير المسموح في تلك الأعمال تقديم أية نقائص للشخصية سواء فنية أو سياسية، اللهم إلا الجزء الأول من مسلسل الجماعة للعبقري الراحل وحيد حامد، الذي اجتهد فيه لتقديم صورة أقرب للحقيقة عن شخصية حسن البنا والجماعة بشكل عام، يمكنك مراجعة تتر نهاية المسلسل لترى كم المراجع التي قرأها المؤلف ليقدم لنا تصوره النهائي عنهم، وكذلك فعل مؤلف أيام السادات.

من المهم أن نعي جيدًا أن ما شاهدناه على الشاشة في تجربة " الست " هي رؤية صناع العمل لأم كلثوم، الرؤيه المستوحاه من مذكراتها وبعض المقالات التي كُتبت عنها والتي كتبتها هي أيضًا بالإضافة للتسجيلات الصوتية المتوفرة لها ...الخ من الوثائق التي أتيحت لهم.

كانت رؤيتهم بإختصار أن الست أم كلثوم عاشت حياة حاولت فيها أن تكون أهم مطربة – ونجحت في ذلك - وأهم إمراة في الوطن العربي الذي لم يكن ليقبل وجود المرأة في منصب قيادي كما حدث معها في إنتخابات نقابة الموسيقيين – ونجحت في ذلك - وهي تنافس الموسيقار محمد عبدالوهاب، أو أن يقبلها كمطربة دون أن يقدمها والدها على أنها "صبي" يلبس العقال والجلابية أو أن تكون مطربة وفي نفس الوقت تحظى بمكانة إجتماعية تستطيع من خلالها أن ترتبط بمن أحبته وأحبها كخال الملك فاروق الذي تركها لأن شقيقته الملكة نازلي لم ترى في تلك الزيجة ما يناسبهم كأسرة ملكية.

(حب الرجل جزء من حياته أما حب المرأة فهو كل حياتها) الشاعر الانجليزي جورج بايرون

ووسط كل هذه الطموحات الكبيرة لأم كلثوم لم تنسى طبيعتها كـ ست من المفترض أن يكون الحب هو كل حياتها، ولكن ما قدمه صناع العمل من رؤيتهم وقراءتهم لحياة أم كلثوم أنها عاشت حياة كان الحب فيها على الهامش – كيفاً وليس كمًا - بالنسبة لطموحها الفني وتحقيق ذاتها كإمراة، عندما رفضت حب احمد رامي ورأت في عدم إرتباطهم ضمانة لإستمرار نجاحهم سويًا.

بعيدًا عن الإنتقادات التي ركزت على شكل أم كلثوم في الفيلم وأن منى زكي لم تكن مناسبة لهذا الدور، ناهيك عن حجم اللُغد، الذي كان سببًا في كوميكس من " أنكت " الكوميكسات وهو بوستر الفيلم ومكتوب بدلًا من الست " اللُغد "، وهذا طبيعي جدًا ومقبول في هذا العصر وكل ذلك الكم من السخرية هو نتاج تأثرنا بالروح التي تبثها السوشيال ميديا، فهي تُعد الأن مسرح السخرية الأول في العالم كله.

بعيدًا عن السوشيال ميديا وتأثيراتها كان هناك بعض الإنتقادات الموضوعية لما قدمه صناع العمل من تفاصيل علاقتها مع أخيها وأفراد عائلتها وكذلك فرقتها التي كانت تصل لأربعين عازفًا تستحق المناقشة والتفنيد.

(القائد الناجح يحتاج لمزيج سحري بين الشدة واللين)

إمراة مثل أم كلثوم بكل تلك الطموحات والنجاحات التي حققتها عليها أن تحقق التوازن بين الشدة واللين لتحافظ على ما وصلت إليه والإنتقادات التي وجهت لمشهد تعاملها مع أحد عازفي فرقتها بعصبية وحدة شديدة يُعد هذا الهجوم هو الإختلاف في التوصيف بين مفهوم الغلظة والشدة عند الكثير، ومن الطبيعي أن يختلف التوصيف والتقدير من شخص لآخر، وبحسب موقع " مجازين " – المصدر في نهاية المقال - فقد بلغ عدد أفراد فرقة أم كلثوم في الخمسينات والستينات 40 عازفًا ! وهو عدد ليس بالهين قيادتة لركوب حافلة بشكل منظم وراقي، فما بالك بقيادته للعزف على آلات موسيقية مختلفة بشكل منسجم لا يُحدث أي نشازا !؟

أما كيفية متابعة وإدارة أموالها مع أخيها خالد فهناك شعرة بين الحرص والبخل، وإختلاف الناس في تقدير التصرف الحريص من نظيره البخيل، خَلق إمتعاضًا عند الكثير من مشهد طلب أم كلثوم من أخيها خالد أن يكتب إيصالات صرف بيوميات الفلاحين وإيجار المعدات !.

لماذا لم يظهر حليم مطلقًا، ولماذا حضر عبدالوهاب "بضهره" في مشهد سقوطه أمام أم كلثوم في إنتخابات النقابة، ولماذا لم يظهر عبدالناصر أكثر من ذلك ؟

إجابة هذه الاسئلة في المشهد الافتتاحي للفيلم والذي إكتمل في النهاية، أم كلثوم على مسرح الأوليمبيا في باريس تستعد للغناء لصالح المجهود الحربي لوطنها رغم إشتداد مرضها، ثم تسقط أرضًا بسبب محب حاول تقبيل قدميها وفي النهاية تعود وتقف شامخه وتكمل غناءها وتعفو عن ذلك المحب.

الفيلم يتناول حياة أم كلثوم من زاوية الطموح الغير محدود، ومن المهم التركيز فقط على كل ما يخدم هذه النقطة، طالما اختارها صناع العمل ليحكوا من خلالها مشوار الست، فلن يكون هناك تركيز على تعاونها الفني مع عبدالوهاب في بعض أغانيها وسيكون من الضروري التركيز على تنافسهم سويًا على منصب نقيب الموسيقيين، كما لن يتطرق الفيلم للمناوشات التي حدثت من حين لاخر بين حليم وأم كلثوم، لأنها كانت أشياء لا ترتقي للصراع الرئيس في القصة.


(عبدالناصر وقبلة الحياة)

كل ما قد كان قد أُشيع عن حبه لها وجزم البعض أنهم كانوا يتبادلون الحب ولو من بعيد لبعيد، والخ من تلك الحكايات التي مازالت تتواتر حتى يومنا هذا، كان ظهوره أيضًا بما يخدم الفكرة الرئيسية للفيلم، فما إن إشتد المرض على أم كلثوم وفكرت في الإستسلام، عادت أم كلثوم تغني من جديد في حفل عيد الثورة بأمر من عبالناصر نائب الرئيس وقتها الذي حياها بعد الحفل قائلا " الشعب اشتاق لحلفة الست .. مش كفاية قعدة في البيت بقى ؟" وعرض عليها أيضًا السفر للخارج إذا كانت حالتها الصحية تستدعي ذلك، ولكن كبرياء " الست " جعلها ترفض الفكرة بمنتهى الذوق وأنها على ما يرام.

(الموسيقى التصويرية)

نجحت موسيقى هشام نزيه في ترجمة كثير من أحاسيس مشاهد الفيلم، المهم أن الترجمة كانت مُبدعة، فالموسيقى التي صاحبت وصول أم كثلوم وأسرتها الصغيرة إلى مصر وأعينهم تلاحق كل ما يشاهدونه حولهم، تخبرك منذ النغمة الأولى أنك أمام " قروي بهرته أضواء المدينة "ولكن المقطوعة الأروع كانت تلك النغمة في مشهد إعلان فوز أم كلثوم في إنتخابات النقابة أمام عبدالوهاب، وتكررت نفس النغمة وقت عدولها عن فكرة الخضوع للعلاج الذي كان سيؤثر على إستمرار مسيرتها الغنائية بعدما كانت قد حزمت حقائبها وإستعدت لدخول المستشفى وأيضًا بعدما حياها ناصر وأعادها للغناء من جديد، تلك النغمة تم عزفها بالـDistorted electric guitar  وإستخدام تلك الآلة في عالم الموسيقى التصويرية عادة يكون للتعبير عن لحظات التمرد والإنتصار وهما عنوان خاص على الثلاث مواقف، وينسحب بشكل عام على حياة أم كلثوم، ما بين التمرد على وضع المرأة في تلك الفترة، والإنتصار لتمردها وبلوغها هدفها أن تصبح الست أم كلثوم.

 

 المصادر

عدد أفراد فرقة أم كلثوم بين  https://megazine.ultrasawt.com/%D8%B4%D8%A7%D8%B4%D8%A7%D8%AA/%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D9%87%D9%88%D8%A7%D9%85%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%AA%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D8%AA